التاريخ : 13/06/2010
المصدر : الأخبار
دور العرض السينمائي في البصرة بين الماضي والحاضر
غريب دوحي
تعتز شعوب الأرض بتراثها الحضاري والمعماري وتحتفظ به كمعلم من معالمها الإنسانية، بينما يحدث العكس عندنا، فقد شعرت بالأسى وأنا أمر بشارع السينمات في العشار حين لفت نظري تهديم سينما الرشيد وتسويتها بالأرض، هذه البناية التي تضم بين جدرانها ذكريات الكثير من البصريين الذين كانوا يرتادونها لغرض الترفيه والتسلية، وعندما سالت عن السبب كان الجواب انه سيتم تحويلها إلى مخزن لبيع الملابس..!! وهنا تذكرت ساعة سورين وكيف استحالت إلى محلات لبيع الملابس.
ويمكن أن يشمل هذا المظهر بقية السينمات الأخرى مثل سينما أطلس والوطني الشتوي التي أغلقت أبوابها واستغلت واجهتها إلى مكان لبيع الملابس أيضا.
دور العرض السينمائي في البصرة أو غيرها من المحافظات لم تصمد أمام التحديات الجديدة وأبرزها انتشار الستلايت وقنوات الفضائيات المتعددة التي احتلت البيوت كما أن للأوضاع الأمنية دورا' هاما' في تقليص نفوذ هذه الوسيلة الترفيهية والثقافية، لا نزال نذكر فترة الستينات من القرن الماضي وازدحام هذا المكان بالشباب وخاصة في أيام الأعياد والمناسبات حين يتزاحم الشباب للحصول على مقعد في هذه السينما أو تلك عندما تعرض الأفلام المغرية العربية منها والأجنبية وخصوصا' الهندية التي كانت تغري الناس بالدخول إلى السينما، وتبقى هذه الدور إلى وقت متأخر من الليل (الدور الثاني).
في الرصيف المقابل لسينما الوطني الشتوي ثمة رجل يقوم ببيع لفات (الأبيض والبيض) وهي عبارة عن خبز أبيض ملفوف بالبيض المسلوق، كما لا يمكن أن ننسى (تومان) ذلك الرجل الأسمر ذو المنخرين العريضين الذي كان يعلن عن اسم الفلم ومحتواه كدعاية مرحة وهو يجوب شوارع العشار بلافتة كبيرة تحوي موضوع الفلم المعروض.
ومن بين ذكريات الماضي التي لا تزال عالقة في الذهن إن إحدى هذه السينمات عرضت فلم (الأم) المأخوذ من رواية (الأم) لمكسيم غوركي، كان ذلك عام 1959 وقد تحول عرض الفلم إلى تظاهرة وطنية فأطلق المشاهدون الحمام الأبيض ((حمامات السلام) داخل قاعة العرض وتعالت الهتافات بحياة الزعيم عبد الكريم قاسم، وبعد انتهاء العرض استحال جمهور المشاهدين إلى تظاهرة سلمية جابت شارع الوطني وهم يرددون الأناشيد الوطنية التي تمجد الصداقة العراقية السوفييتية.
وهكذا كان الفلم السينمائي أداة لإظهار المشاعر الوطنية وأداة لتحريض الجماهير الشعبية.
دور العرض السينمائي في البصرة وتوزيعها الجغرافي
تتوزع دور العرض السينمائي البصرية في منطقتين: الأولى: في شارع الوطني وهي سينما الرشيد والوطني الشتوي وسينما الوطني الصيفي التي تقع في نهاية الشارع نفسه.
أما سينما شط العرب الصيفي فقد كان موقعها خلف المجمع الحالي وبالقرب من البريد القديم، بينما كانت سينما (روكسي) تشمخ وحيدة في منطقة البصرة القديمة (خلف جامع البصرة الكبير حاليا)،
وأتذكر أنها قامت بعرض فلم جذب الكثير من الجماهير البصرية اسمه (أبو جاسم لر) كما يتحدث بعض كبار السن عن وجود سينما خاصة لليهود في منطقة السيف) وسينما في المعقل صيفي وشتوي في نادي (بورت كلاب) وسينما أخرى أسمها (سينما هوليود) في نهاية شارع فلسطين.
وفي لقاء مع السيد حسون عبود السريح (أبو علي) صاحب مطعم مجاور لسينما أطلس ومن مواليد 1939 قال متحدثا:
ـ لقد عملت في هذا المكان فترة طويلة وتحتفظ ذاكرتي بذكريات جميلة عن دور السينما الموجودة في هذا المكان فأقدم هذه السينمات هي سينما الوطني الشتوي التي تأسست على ما أتذكر بين عامي 1925ـ 1930 وكان أول مدير لها هو مجيد سلومي، وقد بدأ عملها بفلم صامت من تمثيل شارلي شابلن.
أما سينما الرشيد فقد تأسست عام 1930 وكان مؤسسها رجل من بيت الخضيري وأول أفلامها (قاهر الجواسيس) وتأسست سينما الأطلس عام 1970 وأول مدير لها هو قحطان جاسم شوقي وأول أفلامها فلم هندي (سنكام).
ويضيف معمر آخر يعمل في نفس المكان أن أرض سينما الأطلس تعود ملكيتها إلى الدكتور جمال الدين الفحام وكانت الجهة الممولة لها هي شركة أولاد قصير.
أما المنطقة الثانية للسينمات فهي أم البروم، وأول من بدأ العمل السينمائي فيها هو حبيب الملاك الرجل البصري الذي كان له دور الريادة في هذا الميدان ليس في البصرة وحدها وإنما في بغداد والموصل وكانت له علاقات مع كثير من الفنانين المصريين مثل فريد الأطرش وحسين فوزي ونعيمه عاكف وساميه جمال وصلاح أبو سيف وأنور وجدي وغيرهم، وقد بنى حبيب الملاك دارين للسينما في البصرة هي (سينما الحمراء الشتوي) (وسينما الحمراء الصيفي) ويعود بناء هاتين الدارين إلى أوائل الثلاثينات وبذلك تحولت أم البروم إلى مركز ترفيهي حيث السينمات ودور اللهو والمقاهي والحدائق العامة.
وكان في سينما الحمراء الصيفي جناح خاص للعوائل وهناك شخص اسمه (عباس) يشابه عمله عمل (تومان) يعلن عن بدء عرض الفلم الجديد على الطريقة المتبعة آنذاك أي بتشجيع المارة على دخول السينما.
وقد أعيد بناء سينما الحمراء الشتوي في الستينات كسينما من الدرجة الأولى وسميت بـ(سينما الكرنك) التي هدمت بعد سقوط النظام السابق وتحولت إلى كراج للسيارات.
أما سينما الحمراء الصيفي فقد أنشئت في ساحة أم البروم في الجهة المقابلة للحمراء الشتوي وكانت تحيط بها الأشجار وقد تم تهديمها من قبل بلدية البصرة وتحولت إلى أرض جرداء.
ويذكر أن هناك سينما أخرى هي (سينما الأندلس الصيفي) في البستان المقابل لسينما الحمراء الصيفي.
ويذكر قحطان حبيب الملاك في كتابه (ناس من بلدنا) الجزء الثاني ص40(إن هناك طرائف عن رواد السينما في تلك الأيام أن البعض يفضل الجلوس في الموقع الأمامي (أبو الأربعين فلسا) قرب الشاشة، والبعض منهم يجلس ملاصقا للشاشة لينظر من أسفل لأنهم يقولون بأنهم يشاهدون الرقص بشكل أفضل بالأخص عندما تكون الراقصه (تحية كاريوكا) أو ساميه جمال).
وأخيرا فان دورا للعرض السينمائي في بلادنا قد تحولت إلى أطلال يقف المواطن العراقي إزاءها يردد البيت الشعري الشهير لامرئ القيس (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل) إلى نهاية البيت... وبقاء الشعب العراقي هو نوع من ذلك البكاء الجميل.